صمت

​ولأن الكلام يصبح في أحيانٍ كثيرة عسيراً جداً كفكرةٍ لا تؤمن بها لكنها تأبى إلا أن تسكن تلافيف مخك، وُجدت الكتابة.. وُجدت لأن النفس ترتاح إليها أكثر.. ولأن الكلمات يصبح لها صوتٌ على الورق، مع ذلك تبقى الكتابة عاجزةً عن البوح بكل شيء.. ويبقى في القلب شيء يجثم كعبء ثقيل، كجسدٍ خارت قواه.

ما يجدي حقاً هو الصمت.. يدركه الجميع صمتاً، أما هو فيسمعه نداءً ودعاءً ومناجاة. ❤

دعاء ♡

عندما كنت صغيرة، كانت والدتي تخبرني أن أطلب من الله كل ما أريد.. أن أدعوه دوماً وهو سيستجيب لي..
كنت أحب أن أدعو الله.. لكنني كنت أريد أن أقتنع أكثر.. كيف سيسمعنا الله؟ وهل يجوز أن نطلب منه طلبات دنيوية؟
في أحد الأيام رغبت رغبةً شديدة بتناول الفراولة، ولأنني كنت طفلةً خجولة أخجل أن أطلب من والدي أن يحضر لي بعض الفراولة، قررت أن”أجرب” أن أدعو الله أن يرزقني بالفراولة اليوم..
لم اخبر أحداً برغبتي الصغيرة..
دعوت الله على سبيل التجربة، لم يكن قلبي الغض مدرباً على الثقة أو اليقين التام بالاستجابة..
انتظرت نتيجة دعائي بعودة والدي إلى المنزل، ولدهشتي كانت يداه تحملان بعض الفراولة..
لا زلت أذكر القشعريرة التي سرت في دمي حينها.. الخفقات التي أعجزتني عن الكلام، الدهشة الممتزجة بالفرح من جهة لأن الله كان يسمعني ولأنه استجاب لدعائي رغم أنه كان بسيطاً ولحاجةٍ رأيتها سخيفة، ومن جهة أخرى الإقرار المصبوغ بالخجل لأنني لم أكن مقتنعة حقاً، لأنني دعوت على سبيل التجربة وليس اليقين.
منذ ذلك اليوم وأنا أشعر بلطف الله وأثق بالاستجابة..
قد تأتي الاستجابة متأخرة أو هكذا قد أراها.. لكنها حتماً تكون في وقتها الصحيح..
الآن أتذكر كم الدعوات التي دعوتها في السنوات الماضية، وأنظر حولي وأنا أعيش الاستجابة.. في أحيان كثيرة دون أن أنتبه.
فكم من مرةٍ جاءت استجابته بشكل إيحاء وإلهام أن نتخذ القرار الصائب.. وكم من مرةٍ زارت الطمأنينة قلوبنا وسكنت فيها وإليها.. وكم غمرنا لطف الله وعفوه ورحمته، فأخرجنا مما كنا فيه من تخبطٍ وخيبة.
الأحلام تصبح حقيقةً، والدعاء يصبح مجاباً.. هذا ما أؤمنُ به ❤

حكم الرحمن

هل كان وجودنا في هذه البلاد إثماً كبيراً نستحق عليه العقاب؟
لم تنشب الحرب في أرضنا فحسب، لم يكن الأمر بسيطاً هكذا..
لم يمطر الرصاص فوق رؤوسنا، بل كان ينهمر من أعيننا عندما نبكي.. ويسقط من أفواهنا كلما فاض الكلام..
لقد رمت الحرب بكل ثقلها فوقنا.. جثمت فوق قلوبنا وهشمت أضلاعنا.. لقد عاشت بيننا واشتد عودها..
وبعد ذلك دفعتنا دفعاً نحو السقوط..
لكننا لم نسقط من علو شاهق، فنحن لم نكن يوماً في القمة كما كان يحلو لنا أن نعتقد.
تعود بي ذاكرتي إلى الوراء بغتة فأفقد توازني وأسقط في دوامة من الحنين تقودني إلى أعوام خلت..
كانت تفاصيل منزلي تبتعد شيئاً فشيئاً دون أن تتلاشى.. كان كل شيء يودعني أنا التي لم أفهم حينها أنه وقت الوداع.. وأن رحيلي سيكون هو الأخير..
كانت المرة الأخيرة التي ألقي بجسدي المتعب في حضن سريري الدافئ.. منذ ذلك الحين وأنا أنام كيفما اتفق، على أقرب كنبة، أو سرير أو أرض.. منذ ذلك الحين لم يعد الأمر مهماً حقاً..
منذ ذلك الحين كان يحتم أن نجد بيتاً جديداً وأثاثاً جديداً.. أغطيةً جديدة، وفناجين جدد..
كان علينا أن نبدأ من جديد..
لم يعد مهماً لون الغطاء أو شكل الفنجان.. تبدو تفاصيل كهذه مفرطة السخافة!
“لم يعد مهماً”..
لقد مضى كل ذلك.. لكن أنفسنا لم تعد مطمئنةً أبداً..
إن الذكريات خبيثةٌ حقاً.. فكثيراً ما يحلو لها أن ترسل إلينا طبقاً من التفاصيل المشوهة يفوق قدرتنا على الهضم والاستيعاب..
أما أنا فحيناً أضع على كتفها شالا ً وأقتادها برفق نحو الأمام وأنا أمحو الطريق خلفنا.. وحيناً آخر أفقد قدرتي على الصبر فأدفع بجسدها نحو الماء وأشاهد كل التفاصيل التي خبأتها لي تغرق في العمق..
وعلى سطح الماء تطفو حبات العنب..
سكان هذا البلد يشبهون كثيراً عناقيد العنب التي تناثرت حباتها هنا وهناك..
إن كل ما نحتاجه أن يربط الله على قلوبنا لتنتظم حبات العنب في العنقود..
أن يحيط بنا لطف الله.. أن نأوي إلى كهف رحمته، فيعود نظم القلب إلى طبيعته بعد أن كان مضطرباً.
أن نهتدي بنوره.. أن تنزل السكينة في قلوبنا لنزداد إيماناً وقوة، ونرضى بحكم الرحمن.

حكاية

_ جميلة هي حياتنا
جميلة حقّا
لا نرى سوى فرحاً
وأملاً، وعشقا
لا كذب، لا غش
لا سرقة
جميلة حياتنا للغاية
ليس هناك من جرائم
ليس هناك من ضحايا
لا عمل للشرطة لدينا
فليس ثمة مشاكل
وليس ثمة قضايا
لا فقراء في المكان
فليس عندنا إنسان
لا تُسبَغ عليه العطايا
صافيةٌ سماؤنا
عاليةٌ جباهنا
عزيزةٌ أنفسنا
وكل ما لدينا،
يزيد عن الكفاية!
_ هل هي النهاية؟
_ نعم يا عزيزتي،
اخلدي للنوم
لقد انتهت الحكاية.

11258480_491324124348572_5508879285757610482_n.jpg